يمثل يوم التأسيس السعودي محطة تاريخية مفصلية في الوعي الوطني السعودي؛ إذ يؤرخ لبداية تأسيس الدولة السعودية الأولى عام ١١٣٩ هـ / ١٧٢٧م على يد الإمام محمد بن سعود في الدرعية. ولا يقتصر هذا اليوم على كونه استذكارًا لحدث تاريخي، بل هو استحضار لجذور دولة قامت على أسس الاستقرار السياسي، والوحدة المجتمعية، والامتداد الحضاري.
وقد صدر الأمر الملكي الكريم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود عام ٢٠٢٢م باعتماد الثاني والعشرين من فبراير يومًا للتأسيس، تخليدًا لبداية الدولة السعودية الأولى وترسيخًا للعمق التاريخي للدولة السعودية الممتد لثلاثة قرون. (١)
أولًا: الخلفية التاريخية ليوم التأسيس
قيام الدولة السعودية الأولى
شهدت شبه الجزيرة العربية في مطلع القرن الثاني عشر الهجري حالة من التفرق السياسي، وضعف الاستقرار الأمني. وفي هذا السياق برز الإمام محمد بن سعود كقائد سياسي في الدرعية، حيث أسس كيانًا سياسيًا مستقرًا اتسم بالإدارة والتنظيم، واتخذ من الدرعية عاصمة للدولة.
وقد تميزت الدولة السعودية الأولى بعدة سمات:
- بناء نظام سياسي قائم على الشورى والإدارة المحلية.
- تحقيق الاستقرار الأمني في نجد.
- تنشيط الحركة العلمية والدعوية.
- توحيد مناطق واسعة تحت سلطة مركزية.
ويشير عدد من المؤرخين إلى أن قيام الدولة السعودية الأولى مثل بداية تحول نوعي في تاريخ الجزيرة العربية من حالة التفرق إلى حالة الدولة المنظمة. (٢)
ثانيًا: الدلالات الحضارية والسياسية ليوم التأسيس
إن يوم التأسيس لا يختزل في بعد سياسي فحسب، بل يحمل أبعادًا حضارية وثقافية متعددة، من أبرزها:
١. العمق التاريخي للدولة السعودية
يمتد تاريخ الدولة السعودية لقرابة ثلاثة قرون تعاقبت خلالها ثلاث دول:
- الدولة السعودية الأولى (١٧٢٧–١٨١٨م)
- الدولة السعودية الثانية (١٨٢٤–١٨٩١م)
- الدولة السعودية القائمة التي توجت بإعلان المملكة العربية السعودية عام ١٩٣٢م على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود. (٣)
٢. ترسيخ الهوية الوطنية
يعزز يوم التأسيس مفهوم الانتماء الوطني من خلال استحضار الرموز التاريخية، واللباس التقليدي، والهوية البصرية التي أطلقتها الدولة لتعكس القيم المتجذرة في المجتمع السعودي.
٣. الاستمرارية السياسية
يؤكد يوم التأسيس أن المملكة العربية السعودية ليست دولة حديثة النشأة، بل هي امتداد تاريخي لكيان سياسي راسخ بدأ منذ القرن الثامن عشر الميلادي.
ثالثًا: أهمية يوم التأسيس في الوعي الوطني المعاصر
مع إعلان يوم التأسيس مناسبة وطنية، شهد المجتمع السعودي تفاعلًا واسعًا على المستويات الثقافية والتعليمية والإعلامية. ويمكن إبراز أهميته في النقاط الآتية:
- تعزيز الانتماء الوطني لدى الأجيال الجديدة.
- إعادة قراءة التاريخ الوطني قراءة علمية موثقة.
- ربط الماضي بالحاضر في ظل رؤية المملكة ٢٠٣٠.
- تعميق الاعتزاز بالهوية الثقافية السعودية.
وقد أسهمت المؤسسات الأكاديمية، ومنها الجامعات السعودية، في نشر الدراسات والبحوث المتعلقة بتاريخ الدولة السعودية الأولى، مما يعزز البعد العلمي للاحتفاء بالمناسبة. (٤)
رابعًا: مشاركتي في يوم التأسيس
في هذا اليوم المجيد، أستشعر — بصفتي أحد أبناء هذا الوطن — عظمة الامتداد التاريخي الذي ننتمي إليه. إن الاحتفاء بيوم التأسيس ليس مجرد مشاركة في فعالية وطنية، بل هو وقفة تأمل في مسيرة ثلاثة قرون من البناء، والثبات والتحول الحضاري.
إن استحضار سيرة الإمام محمد بن سعود، وما تبعها من جهود متعاقبة حتى عهدنا الزاهر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، يجعلنا ندرك أن ما نعيشه اليوم من استقرار وتنمية هو امتداد طبيعي لجذور ضاربة في التاريخ.
وإن مشاركتي في هذه المناسبة تتمثل في التأكيد على أهمية القراءة الواعية للتاريخ، وتعزيز الوعي الأكاديمي لدى طلاب الجامعات والمدارس على حد سواء، والإسهام في معرفة أهمية التأسيس كمرحلة مفصلية في بناء الدولة.
خاتمة
إن يوم التأسيس السعودي ليس مجرد ذكرى وطنية، بل هو تأكيد على عمق الدولة السعودية واستمراريتها التاريخية. وهو مناسبة نستحضر فيها القيم التي قامت عليها الدولة: الوحدة والاستقرار، والعدل، والتنمية.
وفي ظل التحولات المعاصرة التي تشهدها المملكة، يظل يوم التأسيس شاهدًا على أن الحاضر المشرق إنما هو امتداد طبيعي لجذور راسخة ضاربة في أعماق التاريخ.
الهوامش والمراجع
- وكالة الأنباء السعودية (واس)، الأمر الملكي باعتماد يوم ٢٢ فبراير يومًا للتأسيس، ٢٧ يناير ٢٠٢٢م.
- ابن بشر، عثمان بن عبدالله، عنوان المجد في تاريخ نجد، ج ١ (الرياض: دار اليمامة، ١٩٨٢م)، ص ١٥–١٨.
- الريحاني، أمين، ملوك العرب، ج ٢ (بيروت: دار الجيل، ١٩٨٣م)، ص ١٢٠–١٢٥.
- وزارة الثقافة السعودية، ملف يوم التأسيس التعريفي.



