العلاقة الجدلية بين التاريخ والأفلام
«أهمية محافظة المؤرخ على بنيته وهويته العلمية حيث يكون هو المصدر الموثوق، وألا يصبح كائناً هلامياً».
• ما هو السبب الذي جعلكم تكتبون عن هذا الموضوع؟
«كان السبب الرئيسي هو شغفي بالخروج عن المألوف، وكذلك بالكتابة عن التطبيقات التاريخية في مجالات أخرى مثل الأفلام. ولقد شدني موضوع "تاريخ الجدلية بين التاريخ والأفلام" والعلاقة بينهما، في محاولة للإجابة عن تساؤلات مثل: متى يتدخل المؤرخ في العمل السينمائي؟ ومتى لا يتدخل؟ وما هو موقف المدارس التاريخية من هذه العلاقة؟ مع التأكيد على أهمية محافظة المؤرخ على بنيته وهويته العلمية ليكون هو المصدر الموثوق، وألا يصبح كائناً هلامياً، وأن يكون وجود المؤرخ في كتابة السيناريو داعماً لكاتب السيناريو؛ حفاظاً على الحقيقة التاريخية. وإذا استطاع المؤرخ امتلاك أدوات السرد والكتابة السينمائية فهو أمر جيد، وفي الأخير لا يمكنك منع أحد من استخدام التاريخ؛ فهو متاح للجميع».
التاريخ الراهن.. تجارب ومفاهيم
«مجال الابتكار ليس حكراً على التخصصات العلمية التطبيقية».
• هل هناك كتاب حديث شعرت أنه أضاف لك منظوراً مختلفاً في قراءة التاريخ؟
«قرأت قبل فترة كتاب "التاريخ الراهن" لفتحي اليسير، ولقد أثر هذا الكتاب عليّ من ناحية استخدامه للمنهجية العلمية وضربه أمثلة عالمية في التعامل مع التاريخ الراهن؛ حيث أتى بالتجربة الفرنسية والتجربة الألمانية والتجربة الأمريكية، وبعض التجارب العربية. لقد طرح هذا الكتاب تعريف التاريخ الراهن ومفاهيمه وطوّر هذه المفاهيم، وأتى بمؤيدي التاريخ الراهن وكذلك بالمعارضين. وهذه المنهجية، من خلال التعريف بالمفاهيم وطرح الآراء والتجارب العملية العالمية، جعلتني أنجذب لمجال التاريخ الراهن. ومن وجهة نظري؛ فإن مجال الابتكار في التخصصات الإنسانية -وخصوصاً التاريخ- مجالٌ كبير وواسع مع الحفاظ على المنهجية التاريخية، وأن مجال الابتكار ليس حكراً على التخصصات العلمية التطبيقية».
بين الإدارة والكتابة
«عامل الوقت هو من أكبر التحديات».
• كيف كنتم توفقون بين المهام الأكاديمية والإدارية وبين هذا الإنتاج العلمي المنتظم؟
«عامل الوقت هو من أكبر التحديات التي واجهتني، ولكنني أحاول قدر المستطاع رفع مهارات الإنجاز، وكذلك تنظيم الوقت؛ ففي العمل الإداري أنتهج سياسة "التفويض والمتابعة"، وفي العمل الأكاديمي تخصيص "أوقات محددة" لا أتنازل عنها مهما كان. إن وجود عامل "الشغف" ومحاولة الابتكار ضرورة، خاصة وأن هذا الزمن لن ينتظر، لا سيما مع وجود الذكاء الاصطناعي وخدماته، وهذا الأمر يطرح تساؤلاً مهماً جداً: أين سيكون موقع المؤرخ من هذه التطورات وتسارع الأحداث؟».
عين المؤرخ الناقد: بين السينما وتغير مفهوم الزمن
(يجب على المؤرخ «أن تكون ذهنيته عبارة عن ماكينة سريعة تفسر وتحلل في نفس الوقت»)
• هل يشاهد الدكتور زهير الأفلام بروح المستمتع أم أن عين "المؤرخ الناقد" تلازمك دائماً؟ وما هي نصيحتك للباحثين في مجال التاريخ وللمؤرخين؟
«أنا مسرف في رؤيتي التاريخية في كل شيء، حتى في سفري للأماكن الجديدة أستدعي تاريخها بقوة، فما بالك بالأفلام؟ إن أغلب الأحداث التي تواجهنا يفسرها التاريخ من أحداث سياسية وإعلامية ومجتمعية. ولقد زادت هذه النظرة مع وجود التسارع التاريخي؛ حيث إن مفهوم الزمن تغير بشكل كبير، ففي السابق كان الحدث التاريخي يأخذ وقته في التشكل مما يجعل المؤرخ يأخذ وقته في فهم هذه الحركة التاريخية، أما الآن فالأحداث تتداخل والزمن يتسارع، وأصبحت تستطيع مشاهدة الحدث التاريخي مباشرة؛ مثل حدث 11 سبتمبر، واحتلال العراق، وصولاً إلى الحرب الروسية الأوكرانية.»
«ولهذا يجب على المؤرخ أن تكون ذهنيته عبارة عن ماكينة سريعة تفسر وتحلل في نفس الوقت، وهذا يجعلنا أكثر ارتباطاً بمفهوم التاريخ الراهن؛ حيث إنه يحلل الحدث فور حدوثه. ولأن الزمن اختلف، فما إن ينتهي حدث حتى يبدأ حدث آخر؛ ولهذا يجب على المؤرخ النزول للميدان حتى لو اضطر إلى الاستعانة بالمصادر الإعلامية؛ فـ "الإعلام كما قيل مسودة المؤرخ"، حيث يقوم المؤرخ بعملية الحفر التاريخي. ويجب على المؤرخ امتلاك الجرأة على تفسير الحدث واستخدام أدوات المنهجية من تحليل ومقارنة والقدرة على القولبة والصياغة، وكذلك فهم النظريات التاريخية، والممارسة في البحث العلمي، والقدرة على طرح السؤال».
تاريخ في جملة
• أخيراً.. لو طُلب منكم أن تختصروا التاريخ في جملة واحدة، فما هي؟
«التاريخ حياة وحركة وأثر».
