هل تساءلت يومًا كيف استطاع الملوك الأوروبيون في العصور القديمة والوسطى أن يحكموا من دون أن يُحاسَبوا؟ أو عن سبب خضوع الشعوب الأوروبية لظلم حكّامها وبقائهم صامتين؟

تخيّل أن الحاكم لا يعتلي العرش لأنه الأقوى أو الأذكى، بل لأنه «مختار من السماء»…

هذا مثال واحد لمفهومٍ انتشر في العصور القديمة وتسبّب في كثير من الثورات والانقلابات والمجازر. فما هو هذا المفهوم؟ ولماذا احتاجت السلطة آنذاك إلى السماء لتثبيت أقدامها على الأرض؟

إنه الحق الإلهي للملوك: مفهومٌ سياسي-ديني يقرّ بأن الملك مختارٌ من الإله، وأن طاعته من طاعة الإله، وأن التمرّد عليه يُعدّ دينيًا قبل أن يكون سياسيًا. يرجع أصل هذا التصوّر إلى العصور القديمة، وقد تبنّته حضاراتٌ عدة مثل الحضارة المصرية الفرعونية والحضارة الإغريقية وغيرها من الحضارات المبكرة.

ويُعدّ رجل الدين الفرنسي جاك بنين بوسويه من أوائل من نشروا هذا المفهوم ودافعوا عنه، وذلك لالتقائه مع دعمه للملكية المطلقة في فرنسا. وقد برز هذا التصوّر في أوروبا بفعل تعقيدات العلاقة بين الملوك والكنيسة، والصراع بين السلطتين الزمنية والروحية، وانعكاساته على المجتمع.

كان وضع التاج فوق رأس الملك يضفي عليه مسحةً من القداسة، ويُعامل كلامه كأنه وحيٌ لا يُجادَل. تُنصَب له التماثيل ويُدوَّن اسمه في التاريخ، بوصفه «ظلّ الإله على الأرض». غير أن التاريخ لا يخفى ما شهدته أوروبا من حروبٍ وثوراتٍ ومذابح: فهذه الثورة الفرنسية التي اندلعت بسبب المجاعات والفقر الذي قاسى منه الشعب، وتلك الثورة الإنجليزية الكبرى التي ظلّ الملك تشارلز يؤمن بقدسية حكمه حتى انتهى به الأمر إلى الإعدام. ولا يخفى كذلك ما شهدته القارّة من ثورات الفلاحين التي أُزهِقت فيها أرواحُ كثيرٍ من الأبرياء بحجّة التمرّد على الإله؛ وما كانت تلك الأحداث إلا نتيجةً طبيعية لاقتناع الناس بمثل هذه الأفكار وخضوعهم لها ثم نفضِ أيديهم عنها.

«هل كانت هذه الفكرة أداةً للحفاظ على النظام، أم أداةً للسيطرة؟ وهل خضع لها الأوروبيون إيمانًا أم خوفًا؟»

في الختام، يطرح هذا المفهوم أسئلةً مُلِحّة: هل كانت هذه الفكرة أداةً للحفاظ على النظام، أم أداةً للسيطرة؟ وهل خضع لها الأوروبيون إيمانًا أم خوفًا؟

وبالنظر إلى الطقوس المهيبة التي تُقام لتتويج الحاكم، وإلى العنف الذي يُمارَس ضد الشعب بحججٍ واهية، يتّضح أن الأمر لا يتعلّق بمن يدّعي أنّ السماء اختارته، بقدر ما يتعلّق بمن يقبل الخضوع والخنوع له.