غالباً ما يقدم الصراع التاريخي في الأندلس على شكل صراع ديني بحت، وهو ما يتعارض مع رأي المؤرخ محمد عبد الله عنان، إذ يرى أن الصراع في شبه الجزيرة الإيبيرية لم يكن ذا طابع ديني دائم، بل كانت أسبابه متعددة ومتنوعة. ويكتسب رأي محمد عبد الله عنان أهمية بالغة، نظرًا لما قضاه من وقت طويل في دراسة تاريخ الأندلس وتأليف موسوعته العلمية «دولة الإسلام في الأندلس»، التي استغرق العمل عليها ما يقارب ربع قرن.
يرى عنان أن حرب الاسترداد القومية لإسبانيا النصرانية بدأت منذ منتصف القرن الخامس الهجري، عندما انهارت الدولة الإسلامية القوية، والمتمثلة في مرحلة ملوك الطوائف. ويقسم الصراع في الأندلس إلى عدة مراحل من أبرزها: مرحلة التفوق الإسلامي منذ الفتح الإسلامي وصولًا إلى سقوط الدولة الأموية، ثم مرحلة تكافؤ القوى في عصر المرابطين والموحدين، ثم مرحلة تفوق الممالك المسيحية والتي صاحبها مشروع حروب الاسترداد التي بدأت منذ منتصف القرن الخامس الهجري حتى سقوط غرناطة.
ويشير المؤرخ محمد عبد الله عنان إلى أن طبيعة الصراع في الأندلس لم تكن ذات طابع ديني دائم، بل كانت في الغالب صراعات سياسية ومادية، إلا في حالتين يصبح فيهما الطابع الديني والقومي محرّكًا رئيسيًا للصراع. الحالة الأولى هي عندما يشعر أحد الطرفين بخطر الفناء، فتتصاعد الروح الدينية والقومية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك سقوط طليطلة سنة ٤٧٨هـ، والذي جعل المسلمين يتحدون لمواجهة خطر الفناء ضد ألفونسو السادس، وكانت النتيجة انتصارهم في معركة الزلاقة سنة ٤٧٩هـ. أما الحالة الثانية فهي عندما يشعر أحد الطرفين بأنه سوف يقضي على الآخر، فتتصاعد روح التعصب الديني والقومي.
ويشير عنان أيضًا إلى أنه في مرحلة التفوق الإسلامي، المتمثلة بالدولة الأموية، لم تظهر الحروب ذات النزعة الدينية والقومية بشكل واضح. كما أن أصداء الحملات الصليبية في المشرق ساهمت في إذكاء روح التعصب الديني، وظهور الجماعات الدينية المحاربة مثل «فرسان قلعة رباح»، التي تأثرت أيضًا بالحملات الصليبية.
أما في المجمل، فيذهب عنان إلى أن جوهر الصراع كان سياسيًا أو اقتصاديًا في معظم أطواره، ويضرب العديد من الأمثلة على ذلك، ومنها وجود مرتزقة من الفرسان والجند الإسبان يعملون في الجيوش الإسلامية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك «السيد الكمبيادور»، الذي كانت مصالحه الشخصية تفوق الولاء العسكري، إذ كان يعرض خدماته على الملوك المسلمين والنصارى، ولو لم يمت وهو في خدمة الجانب النصراني لما حفلت به الأساطير الإسبانية.
وقد وجدت في فترات كثيرة، حتى في مرحلة الاسترداد الأخيرة، حالات تعاون بلغت مرحلة التحالف بين بعض الممالك النصرانية ومملكة غرناطة. يورد عنان بعض الأمثلة مثل دخول ابن الأحمر المؤسس تحت حماية ملك قشتالة فرديناند الثالث، ومساعدته لملك قشتالة في حصار إشبيلية. كما لا يغفل عنان الإشارة إلى علاقات المودة والتفاهم التي نشأت بين جماعات الفرسان من الفريقين، ويبرز أيضًا دور المصاهرات السياسية في تخفيف حدة الصراع.
خلص عنان إلى أن الصراع في الأندلس كان متشابكًا ومعقدًا، وليس صراعًا دينيًا فقط. نرى أن المؤرخ محمد عبد الله عنان فسَّر الصراع التاريخي تفسيرًا منطقيًا، إذ درس مسبباته في كل طور من أطواره، وتناول العوامل المؤثرة فيه، وقدّم الأدلة التاريخية التي تفسر وجهة نظره. ويُسهم هذا التفسير في تعميق فهمنا لعوامل ومسببات الصراعات في العالم عمومًا، وخصوصًا في منطقتنا.




