حين نحتفي بيوم التأسيس، فإننا نستحضر مسيرة كفاح وبناء بدأت قبل أكثر من ثلاثة قرون تشكّلت خلالها ملامح الدولة السعودية وترسخت جذورها السياسية والحضارية. وفي هذه المسيرة تحتل مدينة جدة مكانةً بالغة الأهمية، فهي ليست مجرد مدينة ساحلية بل بوابة الحرمين الشريفين والنافذة التي أطلّت منها الدولة السعودية على العالم، حاملةً إرثًا ثقافيًا عميقًا يمتد في جذور التاريخ العربي والإسلامي.
ويمتد تاريخ جدة إلى عصور بعيدة إذ تُعد من أهم المدن التجارية الواقعة على ساحل البحر الأحمر، وقد برز دورها منذ وقت مبكر ولا سيما في العهد الإسلامي حين أصبحت منذ عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه الميناء الرئيس لمكة المكرمة، ومحطةً رئيسة لقوافل الحجاج. وقد أسهم هذا الموقع الاستراتيجي في جعلها مركزًا لتبادل البضائع والثقافات بين الشرق والغرب، ما أكسبها طابعًا حضاريًا وعمرانيًا متفردًا تشكّل عبر قرون من التفاعل الإنساني.
ومع بدايات العصر الحديث، ارتبطت جدة ارتباطًا مباشرًا بتاريخ الدولة السعودية، إذ دخلت تحت حكم الدولة السعودية الأولى عام 1220هـ/ 1805م، عقب خضوع الحجاز، للإمام سعود بن عبدالعزيز، في حدثٍ شكّل تحولًا سياسيًا مهمًا، ورسّخ مكانة جدة ضمن إطار الدولة السعودية الناشئة.
ملامح جدة التاريخية
ولا تزال جدة اليوم تحتفظ بملامحها التاريخية، حيث تميّزت مبانيها التي شُيّدت من الحجر المرجاني، والأخشاب المزخرفة، والخوص، في انسجام مع بيئتها البحرية. وتُعد المساجد التاريخية من أبرز معالمها، ومن أقدمها مسجد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد كان الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يصلي فيه عند نزوله جدة. كما يُعد مسجد الشافعي من المساجد التاريخية البارزة، وقد بُني في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وشهد عبر العصور مراحل متعددة من العناية والتجديد. ويبرز كذلك مسجد عكاش، الذي قُرئت فيه رسالة الشيخ محمد بن عبدالوهاب عام 1222هـ / 1807م، في سياق التحولات الدينية والسياسية التي شهدتها المنطقة. كما تضم جدة المسجد الحنفي، الذي كان الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود –رحمه الله– يؤدي فيه صلاة الجمعة، مما أكسبه دلالة تاريخية مرتبطة بمرحلة توحيد البلاد.
السور والأبواب والبيوت
ومع اتساع دور جدة وأهميتها، أُحيطت بسور دفاعي في مراحل تاريخية مختلفة، لحماية المدينة وأهلها، ويُرجّح أن يعود تاريخ بنائه إلى القرن العاشر الهجري، وقد أُزيل آخر هذه الأسوار عام 1366ه/ 1947م بعد حوالي أربعة قرون من بنائه. وكان السور يضم سبعة أبواب وقد أضيف الباب الثامن في أوائل حكم الملك عبدالعزيز -رحمة الله-، من أبرزها باب مكة وباب المدينة، ما يعكس التنظيم العمراني للمدينة آنذاك. كما اشتهرت جدة ببيوتها التاريخية التي تميّزت بزخارفها ونوافذها الخشبية، ومن أشهرها بيت نصيف الذي تأسس عام 1298ه/1881م، الذي نزل فيه الملك عبدالعزيز –طيب الله ثراه– عام 1344ه/ 1925م عند دخوله جدة واتخذه مقرًا لحكمه لفترة، في حدث مثّل مرحلة مفصلية في تاريخها السياسي.
مكانة جدة بعد الانضمام للدولة السعودية
وقد ازدادت مكانة جدة بعد انضمامها إلى الدولة السعودية، حيث أصبحت مقرًا إداريًا وسياسيًا مهمًا، ومن المعالم المرتبطة بهذه المرحلة قصر خزام، الذي شُيّد عام 1351ه/ 1932م واتُّخذ مقرًا للحكم. كما يُعد موقع أبرق الرغامة من المواقع الأثرية البارزة، إذ نزل به الإمام سعود بن عبدالعزيز، ثم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن –رحمه الله– أثناء مراحل توحيد المملكة العربية السعودية، كان هذا الموقع يبعد عن جدة 14 كيلومترًا شرقًا، وهو الموقع الذي ارتبط بإعلان توحيد البلاد.
جدة التاريخية والتراث العالمي ورؤية 2030
وفي اعتراف عالمي بقيمتها التاريخية والحضارية، أُدرجت جدة التاريخية عام 1435ه/2014م ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، تقديرًا لنسيجها العمراني المتفرد، ولمكانتها الثقافية والاجتماعية. ولم تكتفِ المملكة بذلك، بل جعلت من جدة التاريخية جزءًا فاعلًا من رؤية المملكة 2030، بوصفها واجهةً سياحية وثقافية، ومحركًا اقتصاديًا، ومركزًا لإحياء الذاكرة الوطنية.
وفي هذا الإطار، أطلق سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان –حفظه الله– عام 1442ه/ 2021م مشروع إعادة إحياء جدة التاريخية، إلى جانب مشروع تطوير المساجد التاريخية، بهدف استعادة أصالة هذه المواقع، وتأهيلها عمرانيًا ووظيفيًا، وتعزيز مكانتها الدينية والثقافية، في تأكيدٍ على أن التاريخ في هذه البلاد يشكّل أساسًا راسخًا لبناء الحاضر واستشراف المستقبل.





