كانت الوحدة من أعظم إنجازات التأسيس، إذ أصبحت البلاد أكثر قوةً وتماسكًا تحت قيادةٍ جمعت الكلمة ووحّدت الهدف، وتعزّزت الروابط بين أفراد المجتمع، وانتشر الشعور بالانتماء لكيانٍ واحد يجمعهم على القيم والمبادئ نفسها.
وانطلق الاهتمام بالدين في ظل هذه الوحدة بوصفه أساس الحياة ومحورها، فعُمرت المساجد، وأُقيمت الشعائر، وازدهرت مظاهر الطاعة في أجواءٍ يسودها الأمن والاجتماع، ومع هذا التلاحم ظهرت صور التكافل والتقارب بين الناس، وتجلى أثر التأسيس في ترسيخ القيم الإيمانية، ولا سيما في مواسم الخير كشهر رمضان.
وانعكست هذه الوحدة على حياة المجتمع في مواسم الخير، فكان شهر رمضان ميدانًا واسعًا تتجلّى فيه صور التكافل والتراحم، فقد غدا هذا الشهر فرصةً لبذل الصدقات وإخراج الزكوات والتوسع في أعمال البر، حتى أصبح فقراء نجد ومساكينها في الدولة السعودية الأولى، من الحاضرة والبادية، يقصدون الدرعية ويقيمون فيها طوال شهر رمضان، ينالون من موائدها طعامًا وشرابًا، ويجدون فيها رعايةً وعطاءً متواصلين، ثم يعودون في ختامه وقد كُسوا بالملابس وأغدقت عليهم العطايا المالية.
ولم يكن ذلك عملاً عارضًا، فقد كان نهجًا منظمًا؛ إذ كانت الدولة توجّه أمراء الأقاليم بالإنفاق على بيوت الضيافة في رمضان وغيره، وترسل لهم المخصصات اللازمة لهذا الغرض، فإذا بقي في بيت المال فائض بعد إرسال الصدقات إلى النواحي والبوادي، وُجّه لمن لم يتمكن من القدوم إلى الدرعية، ليصل الخير إلى الجميع دون استثناء.
وفي ظل هذه الأجواء العامرة بالعطاء، برزت القهوة عنصرًا أصيلًا في الحياة الاجتماعية لأهل نجد، ولا سيما في شهر رمضان المبارك؛ فكانت حاضرةً على موائد الإفطار، وملازمةً لمجالس الذكر في العشر الأواخر، حيث يعين شربها على القيام وإحياء الليل في جوٍ تسوده الطمأنينة والأنس، ومع مرور الزمن غدت هذه العادة من أبرز سمات الشهر الكريم، تمتد من الحاضرة إلى البادية، ويشملها الدعم والعناية؛ إذ كانت تُرسل أكياس البن، أو تُبعث النقود لشرائه، ليوزَّع في المساجد.
وقد أسهم هذا الاهتمام في ترسيخ القيم الاجتماعية، فشجّع أهل نجد على إدخال هذه المظاهر ضمن مشاريع الخير في رمضان، والتمسك بعادة تقديم القهوة، حتى أصبحت جزءًا من مشهد رمضاني تتعانق فيه العبادة مع مظاهر الكرم.
عطاءات أئمة الدولة السعودية الأولى في رمضان
تجلّت عناية الأئمة بشهر رمضان في صور مضيئة من البذل والرعاية، فقد عُرف الإمام عبد العزيز بسخائه وكثرة عطائه، فكانت أياديه ممتدة بالصدقات، يفيض عليهم من الخير في هذا الشهر الكريم، ويخصّ أهل القيام بنصيب من عنايته فيرسل لهم القهوة إعانةً لهم على إحياء الليل ومواصلة العبادة في أجواءٍ يملؤها الذكر والطمأنينة.
وفي عهد الإمام سعود اتخذ هذا الاهتمام صورةً أوسع وأشمل، فإذا أقبل رمضان تحرك مساكين نجد، قاصدين الدرعية، يعرفون ما ينتظرهم فيها من رعايةٍ وكرم، وكان الإمام يُدخلهم كل ليلة في قصره على موائد العشاء، على كثرتهم وتتابع قدومهم، فيطعمهم ويؤنسهم ويغدق على كل واحدٍ منهم عطية، تتكون من جديدة – وهي عملة متداولة في عهد الدولة السعودية الأولى مقدارها تقريبًا خمس ريالات وهو مبلغ عظيم في تلك الأيام – وعباءة، حتى تنقضي ليالي العشر وقد شملهم جميعًا بهذا الإحسان.
وهكذا يظهر شهر رمضان في عهد التأسيس، حيث تتجلى فيها معاني الاجتماع حول القيادة، والتكافل الذي شمل القريب والبعيد، في صورة مجتمعٍ تحكمه قيمٌ واحدة، وممارسات توضح حقيقة التأسيس بوصفه مشروعًا جمع الناس على منهجٍ موحد، فصارت أعمال الخير فيه طريقًا لتعزيز الألفة، ومظهرًا من مظاهر الانتماء لكيانٍ متماسك.






