يمكن النظر إلى الدولة بوصفها كيانًا حضاريًا يتشكل من خلال مقوماته الأساسية، ومن أبرز هذه المقومات "العلم" والاهتمام بأوعية هذا العلم وهم العلماء والمكتبات، ويُعدّ الاهتمام بالعلم من أبرز مؤشرات قوة الدولة واستقرارها.
لقد اعتنى المؤرخون والباحثون في الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية من تاريخ الدولة السعودية الأولى، ولم يحظَ الجانب العلمي بالعناية نفسها التي حظيت بها الجوانب العسكرية والسياسية.
إنّ الدولة السعودية الأولى قامت على عدة أسس، ومن أهمها نشر العلم ومحاربة الجهل والخرافات، ولهذا يجدر بنا أن نضاعف الجهود في البحث وتوثيق هذا الجانب المهم وعدم إهماله.
اعتمدت في هذه المقالة على عدة مصادر ومراجع، منها على سبيل الذكر لا الحصر: كتاب "علماء نجد خلال ثمانية قرون" لابن بسام، وكتاب "عنوان المجد في تاريخ نجد" لابن بشر، وكتاب "نفح العود" لعبدالرحمن البهكلي.
وإحقاقًا للحق ومن باب الأمانة العلمية، أذكر أني قد استفدت استفادة كبيرة من بحث الدكتور/ خالد بن عبدالله السعيد بعنوان "عناية أئمة الدولة السعودية الأولى والثانية بالعلم والعلماء"، وكذلك بحث "الحياة العلمية في الدرعية في عهد الدولة السعودية الأولى" لمؤلفه عبدالله بن محمد المنيف، حيث جمعوا من بطون الكتب والوثائق هذه المادة، واستفدت أيضًا من المصادر التي رجعوا إليها، فجزاهم الله عني خير الجزاء.
اهتمام الدولة السعودية الأولى بالعلماء ودعمهم
دعمت الدولة السعودية الأولى، العلم والعلماء منذ بداية عهدها، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما ذكره ابن غنام في "تاريخ نجد" أنه حين قدم الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى الدرعية سنة ١١٥٧ هـ، سار الإمام محمد بن سعود إليه بنفسه ورحب به هو وأخويه ثنيان ومشاري، وابنه الإمام عبدالعزيز، ورحب به وأكرمه غاية الإكرام.
ولقد ترتب على ذلك إيواء الشيخ والتعهد بحمايته ونصرته.
وكذلك ما ذكره ابن بشر في كتابه "عنوان المجد" عن الإمام عبدالعزيز بن محمد من تشجيعه لطلبة العلم وإكرامهم، فقد كان صغار طلاب العلم يأتون إليه ويعرضون عليه خطوطهم، فمن استحسن خطه أعطاه عطاءً جزيلا.
وكذلك أمر ببناء مجمع حول مسجد البجيري، يسع مائتي رجل، وخصص جزءًا منه للنساء، تقرأ فيه الدروس بعد صلاة الفجر، وخصص كذلك مرتبات لطلبة الوافدين إلى الدرعية وبنى لهم أربعة مدارس.
كما ألزمت الدولة في عهد الإمام سعود أمراء النواحي باختيار خمسة عشر رجلاً من أهل كل ناحية وتفريغهم للعلم والتعلم وإعطائهم ما يكفيهم من الأموال، وكانت تدعم التعلم ونشر العلم، وتجعل لطلبة العلم والعلماء رواتبًا شهرية تصرف لهم من بيت المال.
ومن صور توقيرهم للعلماء ما ذكره ابن بسام "علماء نجد" أنه حينما دخل الإمام سعود بن عبدالعزيز المدينة المنورة، لم يعاقب العالم أحمد بن حسن بن رشيد الحنبلي (ت ١٢٥٧ هـ / ١٨٤١ م)، وقد كان يحرض العثمانيين على الدولة السعودية الأولى، فأكرمه الإمام سعود وولاه القضاء لعلم الإمام سعود بسعة إطلاعه وعلمه.
طرق تلقي العلم وأبرز العلوم التي اهتم العلماء فيها في عهد الدولة السعودية الأولى
كان التعليم ينقسم إلى عدة مراحل:
المرحلة الأولى: تعليم الصبيان، وعادةً يكون مكان التعليم في غرف ملحقة بالمساجد، ويدرسون في هذه المرحلة القراءة والكتابة وقراءة القرآن وتعلم بعض أنواع الحساب، وليست هناك مدة زمنية محددة فهي مقترنة بقدرة الطالب وإتقانه لهذه الأساسيات.
المرحلة الثانية: لمن أراد التوسع في العلم ويمتلك المؤهلات العلمية والموهبة، فينتقل إلى حلق العلماء في المساجد ويدرس العربية والمواد الشرعية والعلمية المختلفة.
وفي عهد الإمام سعود كانت المجالس العلمية في الدرعية تنقسم إلى قسمين:
- عام: يحضره الإمام وعائلته وحاشيته والكثير من الناس، وكان يعقد غالبًا في السوق لكثرة من يحضر.
- خاص: وكان يعقد بعد المغرب في سطح قصر الإمام سعود بن عبدالعزيز، ويحضره خاصة الإمام.
كان أبرز علم يُدرَّس علم "العقيدة"، وقد كان تصحيح العقيدة ركيزة من ركائز الدولة السعودية الأولى، وأهتموا كذلك بعلوم اللغة والفقه والسيرة النبوية، وكذلك الفلك والجغرافيا والتاريخ، ومن العجيب أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب كان يحض أهل الدرعية على تعلم الرمي بالبندقية، وكذلك كانت تصنع الذخيرة في نجد مما ساهم باكتفائهم الذاتي من ناحيتها.
تحولت الدرعية إلى مركزٍ علمي في شبه الجزيرة العربية، وكانت أقرب إلى جامعة كبرى حيث الدروس تعقد في المساجد والأسواق ولأكثر من مرة في اليوم.
الكتب والمكتبات
أشارت العديد من المصادر والمراجع مثل كتاب "رحلة إلى جزيرة العرب" لبوركهارت، عن عناية الدولة السعودية الأولى في الكتب والمكتبات وخصوصًا الكتب التاريخية، حيث يقول بوركهارت: "وتقول التقارير، إن الوهابيين قد حملوا معهم كميات كبيرة من الكتب، لكن يقال كذلك أنهم دفعوا لقاء كل ما أخذوه".
وكذلك يصف اهتمام الإمام سعود بن عبدالعزيز بإرسال الرسل لشراء الكتب والمكتبات، ويذكر أنه بعد أن سيطرت الدولة السعودية على بعض موانئ اليمن نقلت أعداد كبيرة من الكتب إلى الدرعية.
وكانت للإمام سعود خزانة كتب واسعة تزخر بالمؤلفات.
ومن أبرز ما يذكر في هذا الباب وقف الإمام عبدالعزيز لكتاب "إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري" لأحمد القسطلاني.
ومما يدل سعة اطلاع الإمام عبدالعزيز ما ذكر في كتاب "نفح العود" لعبد الرحمن البهكلي بأنّ جوزيف رينو الرحالة الفرنسي الذي قابل الإمام عبدالعزيز، ذكر أن الإمام عبدالعزيز على حظ كبير من الثقافة والعلم. وكان شغوفًا بالتاريخ يحفظ الكثير من حوادث التاريخ.
ويذكر فورستر سادلير في كتابه "رحلة عبر الجزيرة العربية" بأن إبراهيم باشا حين دخل بيت الإمام عبدالله وجد مجموعة هائلة من الكتب في البيت وقد جمعت وأرسلت إلى المدينة المنورة بأمر من إبراهيم باشا.
وفي بحث "الحياة العلمية في الدرعية في عهد الدولة السعودية" ذكر المؤلف أنّ العساكر المصرية أرادوا نقل كتب الإمام عبدالله إلى مصر، ولكن لكثرتها انتقوا منها عشرة أحمال وأحرقوا الباقي.
خاتمة
أن اهتمام الدولة السعودية بالعلم والعلماء والكتب والمكتبات حقيقة تؤكدها الشواهد التاريخية، فهي دولة قامت على نشر التعليم ومحاربة ظواهر الجهل، ولا يزال هذا الجانب بحاجة إلى مزيد من الدراسات المتخصصة.
أن تطور الجانب العلمي لدى الأمم يعكس مدى قوة استقرارها السياسي وقوة اقتصادها، وليس من العدل مقارنة الحالة العلمية في نجد وشبه الجزيرة عموماً بغيرها ممن كان في عصرها، بل يجب مقارنة هذه الحالة قبل قيام الدولة السعودية وبعد قيامها.
كان من نتائج هذا الحراك محاربة الجهل والأمية وتأليف القلوب، كما أسهم هذا الحراك في إعادة حركة تدوين التاريخ في هذه المنطقة، حيث ظهر لنا العديد من المؤرخين مثل ابن غنام وتلميذه ابن بشر، وكذلك وجه هذا الحراك أنظار المستشرقين والرحالة لدراسته، لقد استمرت رعاية الدولة السعودية للعلم والعلماء في جميع أطوارها الثلاث، فقد كان جامع الإمام تركي بن عبدالله أشبه بالجامعة، ولا يخفى على الكثير إسهامات الملك عبدالعزيز في محاربة الأمية وتوطين البادية وإرسال من يعلمهم الكتابة والقراءة وغيرها من أساسيات العلوم، وصولًا إلى هذا العهد الميمون عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان يحفظهم الله، فلقد جعلوا من ركائز رؤية ٢٠٣٠ تطوير الجانب التعليمي والاهتمام به.
في الختام: إن العلم هو المرآة الحقيقية لقوة الأمم واستقرارها.






