لم يكن جبل ثهلان في ميدان الثقافة، مجرّد كتلة صخرية تعلو ما حولها، بل ظلّ عبر القرون علامة ذهنية ورمزًا يستدعي معاني الثقل والثبات. وخلال دراستي في مرحلة الماجستير، حين سجلت موضوعًا بعنوان «عالية نجد خلال العصرين الراشدي والأموي»، قادني البحث إلى الوقوف عند هذا الجبل؛ فلم أزره بوصفه جغرافية صامتة، بل باعتباره نصًا مفتوحًا تقاطعت فيه الرواية التاريخية، والذاكرة الشعرية، والتجربة الشخصية.
وقد حظيتُ خلال تلك الزيارة (٢٠١٧م) بكرم الضيافة من الأخ العزيز عبدالعزيز بن علي العجاجي في بلدة الكرم والجود بلدة الشعراء في محافظة الدوادمي، حيث بدا ثهلان هناك ليس خلفية للمشهد، بل حاضرًا فاعلًا في الذاكرة المحلية، وفي حديث الناس، وفي شعور الانتماء للمكان.
ثهلان في مرآة الجغرافيا التاريخية: قراءة في كتاب محمد بن سيف
لا يكتمل الحديث عن جبل ثهلان دون العودة إلى كتاب «من جبال عالية نجد» للباحث محمد بن سيف، الذي قدّم وصفًا رائعًا ودقيقًا لهذا الجبل، الذي يعد من الجبال الكبيرة في عالية نجد، إذ يمتد طوله قرابة أربعين كيلومترًا، ويتميّز ثهلان بتكوينه الصخري من الشست الرمادي، تتخلله عروق الكوارتز (المرو)، مما يضفي عليه بريقًا خاصًا، ويمنحه حضورًا بصريًا مهيبًا، يعزّز من صورته الذهنية في المخيال.
ويضرب به المثل: أثقل من ثهلان، وهي دلالة لكل أمر عظيم الوطأة، شديد الأثر، وكأن العرب جعلوا من الجبل وحدة قياس معنوية للثقل.
تمثلات جبل ثهلان في الشعر
لم يكن مستغربًا أن يحتل ثهلان مكانة بارزة في الشعر العربي، فقد استدعاه الشعراء رمزًا للمنعة، أو معيارًا للعظمة:
المنعة والتحدي – الفرزدق
جعل الفرزدق من ثهلان صورةً للبناء الذي لا يُزعزع:
فادفع بكفك إن أردتَ بناءَنا
ثهلانَ ذا الهضباتِ هل يتحلحلُ
عظمة الفاجعة – أبو البقاء الرندي
وفي رثاء الأندلس، لم يجد الرندي أبلغ من انهيار ثهلان مجازيًا ليجسّد حجم الكارثة:
دهى الجزيرةَ أمرٌ لا عزاءَ لهُ
هوى له أُحدٌ وانهدَّ ثهلانُ
علو الطبيعة – امرؤ القيس
صوّر شماريخ ثهلان معاقل للعقبان، دلالةً على شاهق ارتفاعه:
كتيسِ الظباءِ الأعفرِ انضرجتْ لهُ
عقابٌ تدلّتْ من شماريخِ ثهلانِ
الرفعة والمكانة – البحتري
قرن شرف البناء بسمو هضابه:
تسمو بواذخُ ما يبنون من شرفٍ
كما سما الهضبُ من ثهلانَ أو حضنِ
وهكذا تحوّل الجبل من مكانٍ طبيعي إلى بنية رمزية استوعبت معاني القوة، والثبات، والانهيار، والسمو.
خاتمة: ثهلان… الجبل الذي يروي
في ضوء الرحلة الميدانية، والقراءة الجغرافية، والذاكرة الشعرية، يتضح أن ثهلان ليس مجرد جبل في بلدة الشعراء بعالية نجد، بل هو ديوان مفتوح تختزن طبقاته الصخرية تاريخ المكان، وتحتفظ ظلاله بحكايات من سكنوا بلدة الشعراء أو من تعاقبوا على زيارتها.




